الأربعاء , 7 ديسمبر 2022
الرئيسية » تدوينات » محمد المختار ولد اباه رحلة حافلة من قلق السياسة إلى سكينة العلم/ موقع رياح الجنوب
محمد المختار ولد اباه رحلة حافلة من قلق السياسة إلى سكينة العلم/ موقع رياح الجنوب

محمد المختار ولد اباه رحلة حافلة من قلق السياسة إلى سكينة العلم/ موقع رياح الجنوب

محمد المختار ولد اباه رحلة حافلة من قلق السياسة إلى سكينة العلم

بقلم الأستاذ ابراهيم الدويري

لا يمكن لأي مهتم بتاريخ موريتانيا المعاصرة وتحديات فترة التأسيس إلا أن يهتم مبتهجا بصدور مذكرات العلامة ومؤرخ العلوم الدكتور محمد المختار ولد اباه –حفظه الله-، فهذا الرجل العصامي والأكاديمي الهمام واجه الاستعمار وعاصر فترة نشوء الدولة الموريتانية وعايش تفاصيلها مؤيدا بتحفظ للنظام الناشئ، ومعارضا صريحا له في الخارج، وسجينا سياسيا بتهم كبرى في الداخل، ومؤسسا لقطاعات حيوية في موريتانيا منها الصحة والتعليم العالي، وهو إلى جانب ذلك من أوائل الموريتانيين الذين جمعوا جمعا محكما بين دراسة العلوم الإسلامية في منابعها الأصلية في محاظر ذويه من الجهتين في لعكل وإكيدي، وبين مناهج البحث الحديثة في جامعة السوربون على أيدي كبار المستشرقين المشهورين ولم تعشه دعايات باريس الثقافية عن عظمة علوم الإسلام فكان من كبار مؤرخيها المعاصرين.

رحلة ولد اباه “مع الحياة” تروي قصة فتى ينتمي لمشيخة صوفية وعلمية فَقَدَ والده العالم الجليل والأصولي الكبير محمد فال ولد باب (اباه) وهو في السادسة من عمره لكن جلد أمه وحنانها المتدفق عوضاه ذلك الفقد فواصل تعلمه للقرآن وعلوم المحظرة متبرما بمختصر الشيخ خليل وجفاف الفقه الفروعي مائلا إلى أصول الفقه والنظر الكلي بعد اطلاعه على شرح والده لمرتقى الأصول لابن عاصم الغرناطي فدرسه على محمد عالي ابن فتى (بابَّاه) الذي كان درسه على شارحه اباه، وعند محمد عالي هذا اكتشف ولد اباه “نبرة الأدباء، وعبارة الحكماء، وبراعة المربين”، ففتح له هذا التتلمذ بابين أولهما: الاهتمام بأصول الفقه، والثاني: سلوك العلماء والشعراء فألف في البابين تآليف مرجعية خصوصا “تاريخ التصوف” و”رحلة مع الشعر العربي”.
كان المنهج المعتاد لسليل علماء وقضاة ومشايخ تصوف أكمل العلوم المحظرية في سن مبكرة هو الجلوس لتدريس تلك العلوم وتحرير الفتاوى ونزع الخصومات، والمساعدة في القيام بشؤون الحي، وهذا بالفعل ما كان ينتظره “الأهالي” من محمد المختار فبدأ يصنع بعض ذلك ويصانع فيما لا يتحمل لكنه شعر في نفسه “برغبة جامحة في التحرر من القيود الأسرية، وفي التخلص من رتابة الحي”، يقول :”فتملكني التطلع إلى آفاق أوسع، وإلى وسط أكثر حيوية؛ إنها مشاعر لا أقدر أن أبوح بها برا بوالدتي ومهابة لأخي الأكبر”، وهنا ظهرت لديه موهبة حب الأسفار فكان يتطوع بكل مهمة خارج الحي ثم تطور هذا الشغف حتى جاب العالم من الصين شرقا إلى أمريكا غربا مستكشفا ومتدبرا وقائما بمهمات دولية.

كان للخروج من “السرب” العائلي أو الصربة كما تسمى باللهجة الموريتانية ضريبة من المشاق تحملها محمد المختار بصلابة واقتدار وحسن تقدير فحين قرر أن يكون معلما جابه الفرنسيين ولم تثنه مكايدهم عن هدفه حتى قُبل معلما متعاونا في النعمة البعيدة عن مسقط رأسه وهناك لم يستسلم للدعة ولم يكتف بالاتكاء على إرثه العائلي والعلمي فكان مُعلِّما أول النهار متعلما آخره للغة الفرنسية مع الطلاب، مصمما على نيل الشهادات التي كادت تكون “عقدة” له بسبب رفض الفرنسيين لتوظيفه لعدم حملته شهادة ومضايقتهم له، وبقي همُّ الشهادات يلاحقه حتى تجاوز مباراة التبريز فانحلت تلك العقدة لكن هم العلم والتأليف والتدريس لم يفارق محمد المختار ولد اباه في حل ولا ترحال ولا شغلته عنه وظيفة وطنية ولا دولية.

كان تطلع محمد المختار إلى الآفاق لا حدود له فقد رمته همته المتوثبة إلى مواجهة الاستعمار بسبب ما رأى من الظلم والحيف ففكر في السفر إلى الحجاز والهجرة لكن آثار الحرب العالمية الثانية حالت دون ذلك، فشارك في أول حكومة موريتانية وأسندت له وزارة الصحة وهو القادم من ميادين التعليم ولم ير له من علاقة بالصحة إلا أن أسرة أهله كانت تمارس التطبيب الأهلي تلك المهنة التي لم يمارسها هو إلا مرة واحدة على طريق روصو صدفة لينقذ حياة فتاة كاد يهلكها فقر الدم ودجل الحجَّابين، لكن مكوثه في الحكومة لم يطل بسبب ما رأى أنه تحكم مستمر من فرنسا في مجاري الأمور فغادر إلى المغرب فعاش أعواما بالرباط.

جددت أعوام محمد المختار بالرباط ذكرياته مع هذه المدينة التي زارها والده العلامة اباه من قبل والتقى فيها بشيخه سيدي العربي ابن السايح ويستشف من ذكرياته الرباطية ومساجلاته مع عباس الجراري أن الرباط أعلق بقبله حتى من فاس التي أشرف على تجديدها وصيانة تراثها، سنوات الرباط التي ولي فيها محمد المختار إدارة الإذاعة والتلفزيون وأكمل فيها دراساته العليا ولم يفتأ يتردد عليها تركت في نفسه وفاء للمغرب يبدو من ثنايا المذكرات أن رحلة الحياة لم تؤثر فيه ولم تنل منه.

حرص الدكتور محمد المختار في حديثه عن أعوام الرباط وعلاقته بالمغرب قبل القدوم إليه وبعد تركها السياسي والتردد عليها أن يجعل علاقته بالمغرب علاقة عفوية أملتها ظروف سياسية وتاريخية وروحية لكن ذلك لم يقنع ولد داداه ونظامه الذي رحب متحفظا بالعائدين من المغرب ثم سجنهم وكان حظ ولد اباه من تلك الفصول اليوسفية مدينة تامشكط التي حول سجنها إلى مدرسة يدرس فيها حراسه ويتلو كتاب ربه قبل أن يدهمه المرض ويلتقي برفيق دربه ولد عمير في مدينة لعيون.

كانت علاقة الدكتور محمد المختار بولد داداه علاقات شخصية وطيدة لم تنل منها السياسة وأحايبلها وقد علق على مذكرات الرئيس المؤسس المرحوم المختار ولد داداه مستدركا ومصححا، ويمكن للقارئ المتلهف أن يقول إن الجانب السياسي من مذكرات ولد اباه لم يكن بذلك الإقناع المنتظر سيما وأنه أول نص ينشره أحد أعضاء “جماعة المغرب” بالتعبير الداداهي لكن السياسة وقلاقلها يبدو أنها كانت مصادفات في حياة ولد اباه وليست اهتماما أساسيا، وهذا ما يؤيد عفوية علاقاته بالمغرب وملوكها هذا مع ملاحظة أن الصراحة غالبة على المذكرات فقد ذكر المؤلف الصعوبات والتعثرات في الاختبارات والعلاقات بصراحة وشفافية، ومن العبر الجديرة بالذكر ما خطر ببال ولد اباه وهو في السودان مشاركا في مؤتمر باسم موريتانيا حين الانقلاب على ولد داده وسجله ببراعة جنوبية “لقد كانت اللحظات الأولى لموريتانيا ما بعد المختار قضيتها بالصدفة على كرسي المؤتمر خلف لافتة اسم البلد وعمله”.

في المذكرات كثير من التاريخ وأخبار الرجال بدءا من شيوخ المحظرة الذين درسوه ومجتمع النخبة في أبي تلميت التي ولد قريبا منها وكانت أول مدينة يزورها وأشرف فيها مراقبا على طلاب معهدها، ومن أخبار الرؤساء والملوك ورجال العلم والأدب الآخرين مثل علاقته بالعلامة والمؤرخ الكبير المختار ولد حامد والوزراء الذين عمل معهم ومسؤولي المنظمات الإقليمية التي تولى فيها مهام، كما أن ثمة فصولا خضرا عن النوادي الأندرية تشد لها الرحال، وبين الحين والآخر يرمي ولد اباه القارئ بأدب فصيح أو شعبي من مقوله أو منقوله، وهذا الأدب والفتوة لفتتا انتباه العلامة محمد الأمين الشنقيطي المفسر لما لقي ولد اباه في مدينة النعمة إبان رحلة حجه وتذاكرا أيام العرب وأشعارها.

و
من أخبار الرجال النادرة في المذكرات أخبار المستشرقين الذين درسوه في السوربون وحكمه عليهم وعلى أفكارهم فقدَّر عطاءهم وجهودهم في خدمة التراث الإسلامي، وذكر أن موقف أستاذه بلاشير من العرب متردد بين الإعجاب حينا والتحامل أحيانا، مشيرا إلى أن مشكلة بلاشير “تكمن حين يكتب عن القرآن والإسلام في افتقاده لنور الإيمان، وهي مشكلة منهجية تلقي بظلامها على الكثير مما يكتبه المسشترقون.

وتبقى درة الأخبار في المذكرات تلك النبذ الخاطفة التي يذكر عن شيخنا ابن أخيه العلامة لمرابط اباه ولد عبدالله الذي زاره أيام مقامه في الرباط تلك الرحلة الحافلة بالعلم، وعن تأسيسه لمحظرة النباغية التي أضحت منارا لبث العلم في صدور الرجال، وبفضل تلك المحظرة وشيخها الأكبر وأساتذتها كانت الأسماء في المذكرات وحيثيات كثير من القضايا جلية لي جلاء الشمس في الأصيل غرب ذات النبوغ، ومن طرائف ذلك الجلاء أخبار التداوي فقد أنقذتني الشيخة زينب بنت عبدالله أخت شيخنا من هلاك محقق لداء في البطن ووصفت لي حينها فضائل السخينة وما كنت أظن محوريتها في الحي قبل قراءة المذكرات، كما خفف علي السيد الشيخ أحمد ولد عبدالله آلام الصداع النصفي “الشقيقة” بعلاجات كنت أنام بعدها هادئا.

في الختام كانت “رحلة مع الحياة” من المذكرات الحافلة الممتعة الثرية ثراء نظرات عالم أديب –أمد الله في عمره- إلى الحياة لما يقارب قرنا من الزمان شهد تحولات لا تنتهي، ومما زاد ذلك الثراء عمقا أن صاحب المذكرات يمتلك هوايتين معبرتين: إحداهما قيادة الطيران، ولشغفه بهذه الهواية يقول “فصرت لا أجد راحة في نفسي ولا متعة في يومي ما لم أقض ساعة أو أكثر وأنا أسبح في بحر الهواء منتصرا على القوة الأرضية التي تشد الإنسان إليها وفرحا بالعودة إليها بسلام”

أما الهواية الثانية فهي التي يقول عنها “الشغف بالتعليم والحاجة الملحة التي أشعر بها إلى لقاء الطلبة وإلقاء الدروس والمناقشة حول مواضيعها”، وشغف التعلم والتعليم هما الخيط الناظم لهذه المذكرات فمن التعلم والتعليم كانت البداية وفي كل المحطات، ففي كل مراحل حياته كان محمد المختار مشتغلا بالكتابة والعلم وهذا الشغف هو الذي أسس للبلاد مدرسة عليا للأساتذة كانت رسالات التخرج في أيام مديرها المؤسس تعدل رسالات الدكتوراه في أكبر الجامعات، وأسفي أن تلك الجهود ضاعت، كما أعطانا ذلك الشغف سلسلة من الكتب النافعة والمؤسسة في تاريخ أصول الدين والتفسير والحديث والمذهب المالكي والتصوف والنحو والشعر العربي والموريتاني.

وأعتقد أن تلك الأبيات التي همس بها والده اباه لابن أخيه العلامة والقاضي محمد عبدالرحمن “النح” ولد السالك ظلت نصب عيني ابنه محمد المختار فكان ما كان والأبيات هي:
إذا الفتى مات عن عرف وعن كتب… وكان ذا ولد فليحفظ الكتبا
إن ضاعت الكتب فالمعروف يتبعها… وليس ذا ولدا وليس ذاك أبا
فالمال إرث بحكم الشرع يعصبه… وفي الحقيقة إن تنظر فلا عقبا
والابن إن حاز ما قد كان حائزه… من المعالي أبوه حقق النسبا.

#ابراهيم_الدويري
#رياح_الجنوب

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*